الشوكاني
159
نيل الأوطار
صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة ، وساق الحديث . قال المنذري : في إسناده هلال بن ميمون الجهني الرملي كنيته أبو المغيرة ، قال يحيى بن معين : ثقة . وقال أبو حاتم الرازي : ليس بقوي يكتب حديثه ، وقد وثقه أيضا غير ابن معين كما قال ابن رسلان . قوله : فإذا صلاها في فلاة هو أعم من أن يصليها منفردا أو في جماعة . قال ابن رسلان : لكن حمله على الجماعة أولى وهو الذي يظهر من السياق انتهى . والأولى حمله على الانفراد لان مرجع الضمير في حديث الباب من قوله : صلاها إلى مطلق الصلاة لا إلى المقيد بكونها في جماعة . ويدل على ذلك الرواية التي ذكرها أبو داود عن عبد الواحد ابن زياد ، لأنه جعل فيها صلاة الرجل في الفلاة مقابلة لصلاته في الجماعة ، والمراد بالفلاة الأرض المتسعة التي لا ماء فيها ، والجمع في مثل حصاة وحصى . ( والحديث ) يدل على أفضلية الصلاة في الفلاة مع تمام الركوع والسجود ، وأنها تعدل خمسين صلاة في جماعة كما في رواية عبد الواحد ، وعلى هذا الصلاة في الفلاة تعدل ألف صلاة ومائتين وخمسين صلاة في غير جماعة ، وهذا إن كانت صلاة الجماعة تتضاعف إلى خمسة وعشرين ضعفا فقط ، فإن كانت تتضاعف إلى سبعة وعشرين كما تقدم فالصلاة في الفلاة تعدل ألفا وثلاثمائة وخمسين صلاة ، وهذا على فرض أن المصلي في الفلاة صلى منفردا ، فإن صلى في جماعة تضاعف العدد المذكور بحسب تضاعف صلاة الجماعة على الانفراد ، وفضل الله واسع . ( والحكمة ) في اختصاص صلاة الفلاة بهذه المزية أن المصلي فيها يكون في الغالب مسافرا ، والسفر مظنة المشقة ، فإذا صلاها المسافر مع حصول المشقة تضاعفت إلى ذلك المقدار . وأيضا الفلاة في الغالب من مواطن الخوف والفزع لما جبلت عليه الطباع البشرية من التوحش عند مفارقة النوع الانساني ، فالاقبال مع ذلك على الصلاة أمر لا يناله إلا من بلغ في التقوى إلى حد يقصر عنه كثير من أهل الاقبال والقبول . وأيضا في مثل هذا الموطن تنقطع الوساوس التي تقود إلى الرياء ، فإيقاع الصلاة فيها شأن أهل الاخلاص . ومن ههنا كانت صلاة الرجل في البيت المظلم الذي لا يراه فيه أحد إلا الله عز وجل أفضل الصلوات على الاطلاق ، وليس ذلك إلا لانقطاع حبائل الرياء الشيطانية التي يقتنص بها كثيرا من المتعبدين ، فكيف لا تكون صلاة الفلاة مع انقطاع تلك الحبائل وانضمام ما سلف إلى ذلك بهذه المنزلة ؟ ( والحديث ) أيضا من حجج القائلين بأن الجماعة غير واجبة ، وقد قدمنا الكلام على ذلك .